القاضي عبد الجبار الهمذاني

355

شرح الأصول الخمسة

وليس هذا جنسا مخصوصا يجب في القادر للذات أن يكون قادرا عليه لا محال . ومن ذلك قياسهم المصلحة على المفسدة ، فقالوا : إذا كان اللّه تعالى قادرا على أن يفعل من المفسدة ما يفسد به كل أحد ، وجب أن يكون قادرا على أن يفعل من المصلحة ما يصلح به كل أحد . وجوابنا ، أنا لو خلينا وقضية العقل لكنا لا نعلم أنه تعالى قادر على ما لو فعله بجميع المكلفين لفسدوا عنده ، غير أن السمع ورد بذلك ، وهو قوله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : 6 ، 7 ] وقوله : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 27 ] ، فلم يفصل بين عبد وعبد ، ومثل هذه الدلالة غير ثابت في المصلحة ، فبقي على أصل العقل ، وإذا كان هذا هكذا فقد بطل القياس . فإن قيل : ألسنا ندبنا إلى أن نسأل اللّه تعالى العصمة والتوفق ، وأن نقول مثلا : اللهم وفقنا لما تحب وترضى وجنبنا عما تكره وتسخط ، وغير ذلك من الدعوات ؟ فلو كان الأمر على ما ذكرتموه من أنه ليس في مقدور اللّه تعالى من الألطاف ما لو فعله بكل أحد لصلح عنده ولاختار الواجب واجتنب القبيح ، لكان يجب أن لا يصح هذا القول وهذا الدعاء والسؤال . وجوابنا ، أنا إنما ندبنا إلى هذا السؤال مشروطا بأن يكون ذلك في المقدور وإن كان الشرط غير منطوق به ، فالشرط وإن لم ينطق به فهو في حكم المنطوق به ، فهذا جملة ما نذكره في هذه المسألة . فصل أورد رحمه اللّه بعد هذه الجملة ، الكلام فيما بنا من النعم من جهة اللّه تعالى . وكان ينبغي أن نذكر قبل الشروع في المسألة حقيقة النعمة والمنعم وما يتصل بذلك ، إلا أنا لما فرغنا عنه في أول الكتاب ، لم نعده هاهنا كراهة التطويل ، والذي نذكره هاهنا ما يختص هذا الموضع . النعم نوعان اعلم أن النعم على ضربين : أحدهما ، لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، وذلك نحو الإحياء والإقدار وخلق الشهوة والمشتهى وإكمال العقل ، ولا شك في أن ما هذا حاله فإن اللّه تعالى هو المنفرد به ،